محمد بن جرير الطبري

49

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وتخلفوا خلافه فهم الذين عنى الله تبارك وتعالى بقوله : سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا الآية . وكالذي قلنا في ذلك قال أهل العلم بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه ، منهم ابن إسحاق . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق بذلك . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا قال : أعراب المدينة : جهينة ومزينة ، استتبعهم لخروجه إلى مكة ، قالوا : نذهب معه إلى قوم قد جاءوه ، فقتلوا أصحابه فنقاتلهم فاعتلوا بالشغل . واختلفت القراء في قراءة قوله : إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا فقرأته قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة ضَرًّا بفتح الضاد ، بمعنى : الضر الذي هو خلاف النفع . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين " ضرا " بضم الضاد ، بمعنى البؤس والسقم . وأعجب القراءتين إلي الفتح في الضاد في هذا الموضع بقوله : أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً فمعلوم أن خلاف النفع الضر ، وإن كانت الأخرى صحيحا معناها . القول في تأويل قوله تعالى بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يقول تعالى ذكره لهؤلاء الأعراب المعتذرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من سفره إليهم بقولهم : شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا ما تخلفتم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شخص عنكم ، وقعدتم عن صحبته من أجل شغلكم بأموالكم وأهليكم ، بل تخلفتم بعده في منازلكم ، ظنا منكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه سيهلكون ، فلا يرجعون إليكم أبدأ باستئصال العدو إياهم وزين ذلك في قلوبكم ، وحسن الشيطان ذلك في قلوبكم ، وصححه عندكم حتى حسن عندكم التخلف عنه ، فقعدتم عن صحبته وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يقول : وظننتم أن الله لن ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين على أعدائهم ، وأن العدو سيقهرونهم ويغلبونهم فيقتلونهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ إلى قوله : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً قال : ظنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك ، وأنهم سيهلكون ، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم . وقوله : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً يقول : وكنتم قوما هلكى لا يصلحون لشيء من الخير . وقيل : إن البور في لغة أذرعات : الفاسد ؛ فأما عند العرب فإنه لا شيء . ومنه قول أبي الدرداء : فأصبح ما جمعوا بورا أي ذاهبا قد صار باطلا لا شيء منه ؛ ومنه قول حسان بن ثابت : لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد * يهدي الإله سبيل المعشر البور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً قال : فاسدين . وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً قال : البور الذي ليس فيه من الخير شيء . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً قال : هالكين . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ . . . وَالْأَرْضِ . . . رَحِيماً يقول تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين من الأعراب ، ومن لم يؤمن أيها الأعراب بالله ورسوله منكم ومن غيركم ، فيصدقه على ما أخبر به ، ويقر بما جاء به من الحق من عند ربه ، فإنا أعددنا لهم جميعا سعيرا من النار تستعر عليهم في جهنم إذا وردوها يوم